درب الصليب: التاريخ والممارسة

(Via Crucis)

سياقُ تقليدٍ قديم من التأمل بآلام يسوع. فمنذ القدم، رغب حجاج أورشليم في السير على درب آلام مخلّصهم، من قصر بيلاطس حتى الجلجلة فالقبر المقدس.

في القرن الخامس عشر أدخل الى أوروبا لوحاتٍ تمثل مراحل آلام المسيح رهبانٌ فرنسيسكانيون حراس الأماكن المقدسة في أورشليم، فأخذ المسيحيون يتبعونها و"يَمشون" درب الصليب كأنهم يتبعون المسيح في طرقات أورشليم، متوقّفين عند كل مرحلة لإحيائها وللصلاة.

وعندما، في أواخر القرن السادس عشر، تَحدَّد عدّدُ المراحل بأربع عشرة، أخذت كنائسُ تعلّق على جدرانِها لوحات درب الآلام.

في القرن الثامن عشر شيّد القديس لويس-ماري دو مونفور، بمساعدة خمسمئة من السكان، نصباً كبيراً للجلجلة في ناحية بون-شاتو. غير أن المرسل الايطالي الكبير سان ليونارد دو بور موريس هو الذي، في مطالع القرن الثامن عشر، بدأ مُمارسة السير في مراحل درب الصليب، حين أنشأ داخل في كوليزيه روما خمسة عشر نصباً لخمس عشرة مرحلة من درب الآلام (الأخيرة لآلام السيدة العذراء)، وبارك على أيامه 572 مسلكاً لـ"درب الآلام". ولا يزال البابا حتى اليوم، نهار الجمعة العظيمة، يُمارس مراحل درب الصليب في الكوليزيه، بحضور آلاف المؤمنين.

وبعدها، أخذت أنصاب كثيرة تُبنى لِمسالك درب الصليب، بينها مسلك لورد، عند القمة المشرفة على المغارة، ويجمع 115 تمثالاً بعلو المترين، يقصده سنوياً آلاف المؤمنين.

ودرب الصليب، أيضاً، نشاط رعَوي. فالقديس ليونار كان يرجو الأساقفة والكهنة: "أتوسل إليكم بآلام يسوع المسيح، أن تكشفوا للمؤمنين كنْزاً يجدون فيه أساس إيمانهم، مصدراً لنعمهم لا ينضب، وفضائل ونعماً من السماء. إذا كان الله يقسو على مؤمنٍ يخفي نعمة واحدة، فكيف يقسو على من عن شعبه كنزاً فيه عدد لا متناهٍ من النعم."

في زمن الصوم يقوم الكاهن الصوم بهذا النشاط الرعَويّ، فيمشي عند جدران الكنيسة من مرحلة إلى أخرى من المراحل المجسّدة المعلقة على الجدران، قارئاً نصوصاً من الكتاب المقدس، مع تأملات وأناشيد متتالية، وعندك مرحلة يعيد ترتيل الفقرة الحادية عشرة من "نشيد العذراء":

"أيتها الأم القديسة، إزرعي جراح المصلوب عميقةً في قلبي".

المؤمنون الذين يمارسون هكذا درب الصليب نهار الجمعة العظيمة، مدركون أن أجراس الفصح ستقرع بعد يومين. "إذا كنا مُتنا مع المسيح فإيماننا أننا سنحيا معه." (بولس، رم 6 ، 8).

وتُمكن ممارسة "درب الصليب" انفرادياً بجون الجماعة، بالانتقال من مرحلة إلى أخرى في الكنيسة، أو بتأمُّل كلّ مرحلة بعد الأخرى من دون أن نمشيها حقيقة. درب الصليب مسيرة الروح التي يجدر بنا أن نكرس وقتاً لتأمُّلها، فتتوجّه الروح في الوقت نفسه الى اللوحة أو المنحوتة، والى نص الانجيل، وهذه ارتكازات التأمل والصلاة والنعمة. وإذا كان قديسون استشهدوا من أجل الأيقونات أيام محاربة الأيقونات فلأن المسيحيين كانوا أمام تَحَدٍّ كبير. من هنا قول بولس الرسول لأهل فيليبي: "فليكن فيكم شعور هو أيضاً في المسيح يسوع. فمع أنه صورة الله لم يأخذ مساواته لله غنيمة، بل تجرد في ذاته متخذاً صورة العبد وصار على مثال الشر، وتجسد في هيئة إنسان وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذا رفعه الله إلى العلى ووهب له الاسم الذي يفوق جميع الأسماء كيما يجثو الكل لاسم يسوع، في السموات وفي الأرض وتحت الأرض وكي يشهد كل إنسان أن يسوع المسيح هو الرب تمجيداً لله الآب" (فيليبي، 2).

يجب أن تقام رتبة درب الصليب بروح مسيحية، ووحي مسيحي. والأخت كاترين تبنّت عبارة بلّيني" حدّ توقيعه في أسفل اللوحة: "مشتعلاً حباً بالصليب".